محمود سالم محمد
218
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
القسم الثاني - المدح الديني : رأينا كيف مدح الصحابة والشعراء الذين شهدوا البعثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، مثلما كانوا يمدحون ساداتهم ، لأنهم ظلوا في مديحهم له على تقاليدهم الشعرية التي حذقوها في المدح ، ولأن الوقت لم يكن كافيا لتظهر المؤثرات الدينية في شعرهم ، ولم يكن مفهوم النبوة واضحا في أذهانهم ، فليس أمامهم مثال يحتذونه ، ولم يسبق لهم أن مدحوا نبيا . وقد استمرت هذه الطريقة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد ذلك ، أو أن القيم التقليدية لهذا المدح استمرت راسخة في المدائح النبوية التي ظهرت في العصر المملوكي وما قبله . بيد أن المظاهر الدينية في مدح الرسول الكريم أخذت تظهر عند الشعراء الذين مدحوا رسول اللّه في حياته ، فامتزجت المعاني الدينية بالمعاني التقليدية ، وقلما خلصت مدحة نبوية لأحد الاتجاهين ، فالقيم التقليدية أضحى لها طابع ديني عند مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، وخاصة أن الإسلام أقرّ هذه القيم وهذّبها ومنحها مفهوما جديدا ، ومن هنا جاء التداخل بين المفاهيم التقليدية والمفاهيم الدينية في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما الفصل بينهما إلا فصل نظري ، اقتضته متطلبات الدراسة . فرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي بلّغ الرسالة السماوية ، وهو الذي علّم الناس دينها ، وهو شخصية دينية في المقام الأول ، فلا يعقل أن يمدح دون أن يتطرق مادحه إلى مكانته الدينية ، ودون أن تذكر خصائصه وفضائله ومواهب اللّه له ، فالمدائح النبوية هي لون من ألوان الأدب الديني ، تتعلق بصاحب الدين ، وهادي الناس إلى النور والحق ، لذلك عبقت بالمشاعر الدينية ، وامتلأت بالمفاهيم الدينية ، وتعرضت لسيرة النبي وفضائله ومعجزاته ، وأظهرت تميّزه بين البشر . وحاول مدّاح النّبي الأمين أن يجلوا شخصية رسول اللّه الرحبة قدر المستطاع ، لكن المتميز منهم من طرق جانبا جديدا من جوانب هذه الشخصية الفذة العظيمة ، أما معظمهم فقد ردّدوا المعاني نفسها ، وأعادوا الأفكار ذاتها ، وإن أعادوا صياغتها .